لجنة التكنوقراط في غزة: إدارة بلا سيادة أم إعادة إنتاج للاحتلال؟

لجنة التكنوقراط في غزة: إدارة بلا سيادة أم إعادة إنتاج للاحتلال؟
بقلم د. هدى الساعاتي
ما يجري تداوله حول تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة الشأن اليومي في قطاع غزة يجب مقاربته بواقعية سياسية باردة، بعيدًا عن التهويل أو الرومانسية السياسية. فنحن لا نتحدث عن حكومة بالمعنى السياسي أو عن اختراق نوعي في بنية الحكم، بل عن أداة إدارية تُطرح في لحظة صراع مفتوح، وتحت واقع احتلال مباشر وهيمنة عسكرية وأمنية إسرائيلية شبه كاملة.
في هذا السياق، يفرض السؤال نفسه: ما الإطار القانوني الذي ستستند إليه هذه اللجنة؟ هل ستعمل وفق القانون الفلسطيني القائم، أم ستخضع لمنظومة أوامر وتعليمات تُفرض من خارج الإرادة الوطنية؟ هذا السؤال ليس شكليًا، بل جوهري، لأنه يحدد طبيعة السلطة وحدودها، ويكشف ما إذا كنا أمام إدارة فلسطينية مستقلة نسبيًا، أم مجرد ذراع تنفيذية ضمن ترتيبات يحددها الاحتلال.
تتعمق الإشكالية أكثر عند النظر إلى الجغرافيا السياسية للقطاع. فهل ستعمل لجنة التكنوقراط في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل عسكريًا، والتي تشكل نحو 60% من مساحة غزة؟ وإذا كانت السيطرة العسكرية كاملة، فكيف يمكن لإدارة مدنية أن تمارس دورها؟ وهل سيكون بمقدورها تنظيم شؤون الحياة اليومية، مثل فتح الشوارع وإزالة الركام وإعادة تشغيل المرافق الحيوية، أم سيقتصر دورها على إدارة شكلية محدودة لا تمس جوهر الأزمة؟
كما يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: هل ستقتصر مهام هذه اللجنة على الشؤون الإدارية والخدمية، أم ستتوسع لتشمل المجالين السياسي والأمني؟ وما هو موقفها من الفصائل الفلسطينية، وخصوصًا فصائل المقاومة المسلحة؟ وهل ستُستخدم هذه اللجنة كأداة لضبط المجال السياسي، وربما ملاحقة قوى معارضة، تحت شعار “فرض النظام” أو “تحييد السلاح”؟
من منظور ما بعد الاحتلال المباشر لغزة، والانسحاب الأحادي الذي لم يُنهِ السيطرة الإسرائيلية الفعلية، يمكن النظر إلى لجنة التكنوقراط بوصفها شكلًا جديدًا من أشكال الحكم الأمني الإسرائيلي، أو ما يمكن تسميته بالحكم الاستعماري غير المباشر. فهذا النمط من الحكم لا يعتمد على إدارة سياسية وطنية واضحة، بل على “بيروقراطية احتلالية” تُدار عبر واجهات تقنية ومحايدة ظاهريًا، لكنها في العمق تعمّق التبعية الاقتصادية، وتُسيّس المجال المدني، وتعيد تشكيله وفق متطلبات الأمن الإسرائيلي، تحت لافتة “الكفاءة الإدارية” و“تحسين الخدمات”.
إن استبدال سلطة سياسية وطنية، مهما كانت محل خلاف، بإدارة تكنوقراطية منزوعـة السيادة، لا يعني بالضرورة تحسين حياة الناس، إذا كان ذلك يجري في ظل غياب القرار الوطني المستقل. بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج واقع الاحتلال بأدوات أكثر نعومة، وأقل كلفة سياسية على القوة المحتلة، مع تحميل الفلسطينيين وحدهم عبء إدارة الأزمة دون امتلاك مفاتيح حلها.
وعليه، فإن أي نقاش جاد حول لجنة تكنوقراط في غزة يجب ألا ينفصل عن سؤال السيادة، ولا عن طبيعة الصراع نفسه. فالإدارة، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن مشروع سياسي وطني، ولا عن إنهاء الاحتلال الذي يبقى أصل المأساة وجوهرها.




