منوعات

نقاش مصري صيني عن البردى و الورق بمتحف الإسكندرية القومى

نقاش مصري صيني عن البردى و الورق بمتحف الإسكندرية القومى 

 

كتبت – هدى مصطفى

 

قال قنصل عام الصين بالإسكندرية إن العلاقات بين الصين ومصر والدول العربية عريقة الجذور، وتمتد لأكثر من ألفي عام، منذ طريق الحرير القديم، حيث ترسخت قيم السلام والتعاون والانفتاح والتسامح والتعلم المتبادل بين الحضارات. جاء ذلك خلال ندوة نظمها متحف الإسكندرية القومي بعنوان «تاريخ فن صناعة الورق والطباعة في الصين»، برئاسة أشرف القاضي مدير المتحف، وبمشاركة سحر سالم أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، حيث أشار القنصل إلى أن العام المقبل يشهد مرور 70 عامًا على العلاقات المصرية–الصينية، مؤكدًا أن هذه المناسبة ستشهد مزيدًا من الأنشطة والفعاليات المشتركة. وأوضح أن المنفعة المتبادلة تمثل السمة الرئيسية للتواصل التاريخي بين الصين والعرب، لافتًا إلى أن «الحضارات تتقدم بتنوعها، وتتواصل بتبادلها، وتتطور بتعلمها المتبادل»، معتبرًا أن الصين تُعد مهدًا من مهاد الحضارات القديمة، فيما تشكل المنطقة العربية ملتقى إنسانيًا لحضارات عريقة. وأضاف أن التاريخ الطويل للتواصل الودي بين الصين والعرب سجّل إنجازات بارزة من التعلم والتأثير المتبادل، وكتب صفحة لافتة في تاريخ التفاعل الحضاري الإنساني، مستشهدًا بما أشار إليه الفيلسوف والسياسي البريطاني فرانسيس بيكون حول الاختراعات الصينية الأربعة الكبرى: صناعة الورق، والطباعة، والبارود، والبوصلة، ودورها في إحداث تحولات كبرى في العالم الغربي، وتغيير ملامح الأدب والحرب والملاحة. وأشار إلى أن الخزف الصيني وصناعة الورق وتقنيات الطباعة انتقلت تاريخيًا غربًا عبر طريق الحرير مرورًا بالدول العربية وصولًا إلى أوروبا، وفي المقابل، شهدت الحضارة العربية نهضة علمية وثقافية مبكرة أسست للجامعات والمكتبات، وحققت إنجازات مهمة في الفلك والتقويم والطب، وانتقلت هذه المعارف شرقًا عبر طريق الحرير لتصل إلى الصين. وأكد أن الشعبين الصيني والعربي أسهما معًا في نشر ثمار التبادل الحضاري إلى مختلف أنحاء العالم، وقدما إسهامات مؤثرة في دفع تقدم البشرية، مشددًا على أن الصداقة الصينية–العربية تمثل تاريخًا ممتدًا من التفاعل وتوارث القيم الروحية. واختتم القنصل حديثه بالتأكيد على أن هذه الصداقة، التي تطورت من حركة القوافل على طريق الحرير القديم إلى العلاقات الدبلوماسية الشاملة، ثم إلى منتدى التعاون الصيني–العربي ومبادرة الحزام والطريق، تواصل تدفقها كجداول صغيرة تجمعت لتندفع إلى الأمام، حاملة رمزًا روحيًا للتواصل بين الحضارات الإنسانية.

في السياق ذاته ، قالت الدكتورة سحر سالم، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، إن فن صناعة البردي في مصر منذ أقدم العصور مثّل أحد الركائز الأساسية لتقدم الحضارة المصرية، مشيرة إلى أن البردي كان الوسيلة الأهم للكتابة والتدوين، وأسهم بشكل مباشر في تطور الإدارة والمعرفة ونقل العلوم عبر الأجيال.

 

وأوضحت د. سحر سالم، خلال ندوة «تاريخ فن صناعة الورق في مصر والصين» التي نظمها متحف الإسكندرية القومي بحضور معالي قنصل الصين بالإسكندرية يانج يي، أن الكتابة على البردي تفوقت على الكتابة على الرق، الذي انتشر لاحقًا في العالم القديم، نظرًا لرخص ثمن البردي، وجودة الكتابة عليه، فضلًا عن صعوبة كشطه أو التلاعب بالنصوص المكتوبة عليه.

 

وأضافت أن بعض الحضارات الأخرى عرفت وسائل مختلفة للكتابة، حيث استخدم العراق وبلاد الشام الألواح الطينية، بينما استخدمت مصر في العصرين اليوناني والروماني الفخار أو ما عُرف بـ«الشقافات» كوسيلة للكتابة، إلا أن التفوق ظل دائمًا للبردي باعتباره الوسيط الأكثر كفاءة وانتشارًا.

 

وأكدت أستاذ التاريخ الإسلامي أن استخدام البردي استمر في مصر حتى بعد الفتح الإسلامي، حيث سُجلت عليه صكوك الضرائب، وعقود الزواج، والكراء، والوثائق الإدارية المختلفة، وظل محتفظًا بمكانته حتى العصر الفاطمي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وهو الوقت الذي بدأ فيه استخدام الورق الصيني في مصر، بعد اختراعه في الصين خلال عهد أسرة هان عام 105 ميلادية.

 

وأشارت د. سحر سالم إلى أن المصريين لم يكتفوا بنقل استخدام الورق، بل تعلموا صناعته وأبدعوا فيها، وأنتجوا نوعًا مميزًا عُرف بالورق المصري أو «الفرعوني»، لافتة إلى أن صناعة الورق ارتبطت بازدهار فنون أخرى في مصر والعالم الإسلامي، مثل الخط، والنسخ، والتزيين، والتهذيب، والتجليد، فيما عُرف بفن «الوراقة».

 

وأوضحت أن ازدهار صنعة الوراقة أدى إلى انتشار المكتبات، خاصة في العصر المملوكي، وازدهار المخطوطات والمنمنمات، ما أسهم في نهضة علمية وثقافية كبرى.

 

واختتمت د. سحر سالم حديثها بالتأكيد على أن إسهامات كل من مصر والصين، من خلال اختراع البردي والورق، كانت من أعظم الإنجازات التي دفعت الحضارة الإنسانية إلى الأمام، وأسست لعصور متلاحقة من التدوين والمعرفة والتواصل بين الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى