منوعات

الست… حين تعجز السينما عن احتواء الأسطورة السير الذاتية لا تُقدَّم لتعرية الرموز

الست… حين تعجز السينما عن احتواء الأسطورة

السير الذاتية لا تُقدَّم لتعرية الرموز

 

بقلم د. هدى الساعاتي

 

بدأتُ مشاهدتي لفيلم «الست» وأنا أتوقع عملًا دراميًا يقترب من واحدة من أعظم الشخصيات الفنية في التاريخ العربي بقدر ما يليق بثقل اسمها وتجربتها. 

 

لكن ما انتهيتُ إليه أن الفيلم لم ينجح أصلًا في فهم أم كلثوم، لا كظاهرة فنية، ولا كإنسانة صنعت نفسها وسط تحولات اجتماعية وثقافية كبرى، ولم يستطع أن يقدّم عملًا دراميًا يوازي هذا الثقل الاستثنائي.

 

فالسيرة العظيمة، حين تُروى بلا وعي فني حقيقي، لا تتحول فقط إلى حكاية باهتة، بل تُسيء إلى صاحبها… وإلى الفن نفسه.

 

منذ الدقائق الأولى لمشاهدتي للفيلم، بدا واضحًا لي أن السيناريو يعاني فقرًا شديدًا في البناء الدرامي. لا تصاعد حقيقي للأحداث، ولا منطق داخلي يُمسك بالخيوط التي تربط المحطات المفصلية في حياة شخصية استثنائية شكّلت وجدان القرن العشرين العربي. ما عُرض على الشاشة لم يكن سردًا لحياة، بقدر ما كان مجموعة مشاهد متجاورة، بلا روح، بلا صراع، وبلا ذروة، وكأن سيرة أم كلثوم تُروى على استحياء، لا على وعي بقيمتها.

 

هذا الارتباك في الكتابة انعكس مباشرة على أداء الممثلين، وعلى رأسهم منى زكي، التي بدت أسيرة تصور غير مكتمل للشخصية. استمرارها في استخدام اللكنة الريفية حتى المشاهد الأخيرة جاء – من وجهة نظري – بلا أي مبرر درامي، وكأن التحولات الاجتماعية والثقافية والفنية الهائلة التي مرت بها أم كلثوم لم تترك أثرًا يُذكر على نطقها أو حضورها. وهو أمر يصعب تقبّله في عمل يُفترض أنه يرصد رحلة صعود امرأة صنعت نفسها، وصنعت عصرًا كاملًا من الفن.

 

أما الإخراج، فلم أشعر أنه حاول إنقاذ النص أو تعويض عثراته. الصورة جاءت باهتة، بلا إحساس حقيقي بالزمن، ولا بوزن التحولات التي عاشتها الشخصية. لم ألمس عبقرية الصعود، ولا قسوة الصراع، ولا رهبة المكانة التي بلغتها أم كلثوم، بل مشاهد متراصة تفتقر إلى الترابط، فتضيع القصة، ويضيع معها الإحساس بعظمة التجربة الإنسانية والفنية.

 

ومن أكثر ما أثار دهشتي تغييب شخصيات محورية كان لها أثر بالغ في تشكيل مسيرة أم كلثوم، وعلى رأسهم رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب. غياب هذين الاسمين، دراميًا وفعليًا، لا يمكن اعتباره تفصيلًا عابرًا، بل يمثل فراغًا هائلًا في سرد السيرة، يصعب تفسيره أو تبريره، وكأن الفيلم تعمّد بتر جزء أصيل من التاريخ الموسيقي العربي.

 

ثم جاءت المعالجة الموسيقية لتزيد من ارتباكي. تراث أم كلثوم الواسع اختُزل تقريبًا في مقطع واحد من «ألف ليلة وليلة»، دون تنويع أو توظيف درامي حقيقي لأعمال شكّلت ذاكرة أجيال. والأدهى من ذلك تجاهل ذكر ملحن الأغنية، بليغ حمدي، في استخفاف غير مفهوم.

وفوق كل هذا، شاهدتُ اختلاق أحداث مبنية على أحاديث صحفية قديمة، ثم الاستعانة بصوت أم كلثوم الحقيقي لإذاعة جزء من الحوار لإثبات صحة الحدث، وكأن الكاتب لا يثق في خياله الدرامي ولا في أدواته الفنية، فيلجأ إلى ما يشبه محاضر الجلسات، لا إلى بناء درامي خلاق.

 

في النهاية، لم أشعر أنني شاهدت عملًا يحتفي بأم كلثوم أو يقدّم قراءة فنية جادة لسيرتها، بقدر ما شاهدت فرصة ضائعة. كتابة مرتعشة، وإخراج عاجز، واختيارات فنية لا تليق بقامة اسم ما زال، حتى اليوم، مرادفًا للفن الخالد.

 

نماذج نجحت… ولم تُقدّس ولم تُشوّه

 

أسمع كثيرًا اتهامًا متكررًا بأن الدراما المصرية تخشى الاقتراب من الجوانب الإنسانية في أعمال السيرة الذاتية، وتقدّم الشخصيات في صورة ملائكية. ومن وجهة نظري، هذا الاتهام غير صحيح.

 

الدراما المصرية قدّمت شخصيات إنسانية، لا مقدسة ولا مشوّهة، ومع ذلك قوبلت بالرفض والاعتراض من ورثة هذه الشخصيات.

 

في مسلسل «إمام الدعاة» (2003) شاهدنا الشيخ محمد متولي الشعراوي شابًا يخطئ ويتعلم، في مشهد التدخين الشهير، قُدِّم معالجة تربوية لا مسيئة، ورغم ذلك واجه العمل دعاوى قضائية ومحاولات للإيقاف.

 

في مسلسل «الأيام» (1979) قُدِّم طه حسين الإنسان، بضعفه وضحكه وبكائه، وقدّم أحمد زكي أداءً استثنائيًا رغم الاعتراضات المسبقة، ليخرج العمل واحدًا من أهم كلاسيكيات الدراما العربية.

 

وفي مسلسل «أم كلثوم» (1999) لم تُخفَ الجوانب غير الملائكية في شخصية كوكب الشرق: فرض الرأي، الصراعات، العلاقات المعقدة، دون تشويه أو إساءة، بل في سياق درامي إنساني أثْرى الشخصية وخدم العمل.

 

من هنا، أرى أن المشكلة ليست في الاقتراب من الجوانب الإنسانية، بل في سوء المعالجة. فدراما السيرة الذاتية لا تهدف إلى تعرية الرموز أو هدم صورتها الذهنية، بل إلى تقديم قصة نجاح إنسانية تُظهر الصعوبات والعيوب في سياقها الطبيعي، دون افتعال أو ابتذال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى