مقالات

رؤية أكاديمية تتحول إلى صرح احترافي: استوديو الصوت بجامعة فاروس حين تتحول الفكرة إلى إنجاز يلهم المستقبل

رؤية أكاديمية تتحول إلى صرح احترافي: استوديو الصوت بجامعة فاروس حين تتحول الفكرة إلى إنجاز يلهم المستقبل

بقلم د. هدى الساعاتي

لم يكن مشهد دخول استوديو الصوت الجديد بكلية الفنون والتصميم بجامعة فاروس مجرد زيارة عابرة بل لحظة إعجاب حقيقية أمام صرح صُمّم باحترافية عالية يبرهن أن الرؤية الأكاديمية حين تُصاغ بإخلاص وتُنفَّذ بعلم تتحول إلى واقع يليق بالمستقبل، ولأن الأعمال الكبيرة لا تأتي صدفة، يتقدّم الشكر والامتنان للدكتورة مها درويش عميد كلية الفنون والتصميم والدكتور شريف نور والدكتورة أميرة حمدي تقديرًا لدورهم الداعم في خروج هذا المشروع إلى النور بالشكل الذي يستحقه طلاب الجامعة.

يروي مصمّم الاستوديو د. شريف نور أستاذ مادة Film Music بجامعة ESLSCA الفرنسية بالقاهرة وأستاذ مادتي Advanced Audio Production وSound Design بجامعة فاروس ومؤلف موسيقي حر كيف بدأت الشرارة الأولى لهذا المشروع. مع كل محاضرة في مقرري Audio Production وSound Design كنت أحمل معي الـ portable studio من القاهرة إلى الإسكندرية لأن تعليم هندسة الصوت لا يكتمل دون تجربة عملية داخل بيئة احترافية حقيقية ومن هنا جاءت الفكرة. تقدّم بالمقترح إلى الدكتورة هني يس عميدة الكلية آنذاك والتي رفعته بدورها إلى الأستاذ الدكتور محمود محيي الدين رئيس الجامعة ليحصل المشروع على الموافقة وتبدأ رحلة تأسيس واحد من أهم استوديوهات التعليم الصوتي داخل الجامعات المصرية.

منذ اللحظات الأولى بدا أن التحديات كبيرة، من مساحة محدودة تحتاج إلى تصميم ذكي وفتحات في الحائط تُعقّد عملية العزل، بالإضافة إلى قاعة خارجية يجب دمجها في منظومة المشروع. لكن هذه المعوقات تحولت إلى دافع للإبداع والتفكير الهندسي الدقيق لتخرج النتيجة أكثر جودة مما كان متصوَّرًا.

بدأ العمل بتخطيط تفصيلي دقيق شمل تصميم المقاسات دون أي هدر في الخامات، توزيع المشتّتات الصوتية Diffusers داخل غرفة التحكم، تحديد أماكن Bass Traps لتحقيق توازن صوتي مثالي، اختيار أبواب مزدوجة وزجاج خاص بين غرفتي التسجيل والتحكم وضبط سماكة الزجاج وزاوية ميله لمنع أي انعكاس صوتي. كل خطوة كانت مدروسة بعناية لأن هندسة الاستوديو علم قائم على المليمتر الواحد.

انطلقت الأعمال ببناء فواصل داخلية مستقلة عن جدران الغرفة الأصلية ثم ملئها بمواد عزل عالية الجودة تلا ذلك تركيب الزجاج المزدوج بزاوية ميل مدروسة مع وضع مادة السيليكا جيل بين الطبقتين لحمايته من الرطوبة والإعتام، ثم صُممت الأبواب المزدوجة التي تحقق مستوى عزل شبه كامل ليشعر الداخل إلى الاستوديو وكأنه ينتقل إلى بيئة صوتية معزولة تمامًا عن العالم الخارجي.

لم تُترك التفاصيل للصدفة فقد تم تحديد مواقع الكهرباء ومسارات الأسلاك واختيار خامات عالية الجودة تمنع التشويش وتضمن نقاء الإشارة الصوتية بما يطابق المعايير الاحترافية العالمية. صمّم د. شريف نور بنفسه لوحة خشبية فنية داخل غرفة التحكم تعمل كمشتّت صوتي متكامل تجمع بين الجمال البصري والوظيفة العلمية وتضمن neutral listening الضروري لمهام المكساج والمراجعة الصوتية، كما تم تنفيذ مشتّتات ومصائد ذبذبات ذات تصميم جمالي يتّسق مع روح الكلية دون المساس بأدائها التقني، وبعد انتهاء البناء تولّى بنفسه تركيب كل الكابلات والميكروفونات والسماعات لضمان تشغيل النظام بدقة كاملة.

لم يكن المشروع مجرد استوديو تسجيل بل نواة منظومة تعليمية متكاملة فقد تم تحويل القاعة الملاصقة للاستوديو إلى سينما جامعية احترافية من خلال تركيب ستائر صوتية، إضافة مشتّتات وكواتم إسفنجية ضد الارتداد وتجهيز بيئة العرض والتقييم السينمائي، لتصبح منصة يعرض فيها الطلاب مشاريعهم بمستوى يسمح بالتنافس في المهرجانات السينمائية داخل مصر وخارجها.

هذا الاستوديو ليس مجرد غرفة تسجيل بل مشروع يؤكد أن الرؤية الأكاديمية قادرة على خلق بيئة تعليمية عالمية، والتصميم الدقيق يمكنه تحويل المساحات المحدودة إلى منشآت احترافية، وطلاب كلية الفنون والتصميم يستحقون بيئة إبداعية تحترم طموحاتهم. لقد تحولت الفكرة إلى صرح والحلم إلى واقع وجامعة فاروس إلى نموذج يُحتذى به في تطوير بنية تعليم الصوت وهندسة الإنتاج السمعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى